ابن بسام

314

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وينصب له الحبائل ، إلى أن لاح لابن عمّار عند صاحب شقورة برق خلّب ، وكان قد تجاوز بطمعه في الرئاسة طمع أشعب ، فسوّل للمؤتمن ابن هود امتطاء صهوتها ، وسهّل له تسنّم ذروتها ، وإنما أراد أن يخدعه كما خدع ابن عبّاد ، فدفع في صدره ، وحاق به سيّئ مكره ؛ فلما طرق إليه ولحق بحصنه ، لم يلبث أن حصل في سجنه ، غدرا به ، فجعل ابن عمّار يلاطفه ويسترحم ، وينشده اللّه في حقن الدم ، ووعده في نفسه وضمن له أموالا ، فلم يصغ إليه وشدّ صفاده اعتقالا ، وطيّر إلى المعتمد بالخبر . واتفق أن اجتاز الوزير أبو جعفر ابن جرج « 1 » بذلك الأفق ، وابن عمّار في المطبق ، فخاطبه بهذه الأبيات « 2 » : كأني أراك أبا جعفر * تقول وتبسم نحوي مشيرا سفرت ليرجع هذا معي * وزيرا فلم أر إلا أسيرا / وهل يملك المرء من أمره * قبيلا فينفذه أم دبيرا هو القدر الحتم يعمي الفتى * وإن كان بالدهر طبّا بصيرا واتفق أيضا وقت القبض عليه يومئذ دخول المعتمد حصن بيّاسة ، وتطارح أهلها عليه ، وحصول تلك الجهة في يديه ، ورأيت رقعة صدرت عنه في ذلك إلى أحد بنيه ، وذكر الخائن « 3 » ابن عمّار في فصل منها قال فيه : كتابي يوم كذا ، وفي أمسه ورد كتاب المأمون أخيك من داخل حصن بيّاسة ، وأنّ أهلها لما بلغهم تأهّبي لمحاصرتهم ، واحتفالي لمنازلتهم ، وعلموا أنّ تدبيرهم قد اضمحلّ في أيديهم ، وأنّ صريخهم قد خرس عن إجابة داعيهم ، وتيقّنوا أني إذا نويت مضيت ، وإذا لججت حججت ، خامرهم الفزع ، وضاق بهم المتّسع ، ومشى بعضهم إلى بعض يتشاورون كيف المصنع « 4 » ، وأين المنزع ، فلم يروا لأنفسهم طريقا أنجى ، ولا مهربا أجدى [ 80 ب ] بالخلاص وأحجى ، من الترامي عليّ ، والاستسلام إليّ ، فبادروا نحوي رجالا وركبانا ، وتسرّبوا قبلي زرافات ووحدانا ، ولم أرد حضرة قرطبة إلّا وقد لحق بها منهم أفواج ، وسالت بمن وراءهم أباطح وفجاج ، كلّ يستعطف ويستنزل ،

--> ( 1 ) ترجمته في القسم الثالث : 448 . ( 2 ) خالص : 301 . ( 3 ) ط : الخيان . ( 4 ) د : الصنع .